محمد أبو زهرة
3848
زهرة التفاسير
وبعد أن افتروا ذلك الافتراء إشباعا لنهمة الحقد أخذوا يستعطفون يوسف ، ويثيرون عوامل الرحمة في نفسه قالُوا يا أَيُّهَا الْعَزِيزُ إِنَّ لَهُ أَباً شَيْخاً كَبِيراً فَخُذْ أَحَدَنا مَكانَهُ إِنَّا نَراكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ ( 78 ) نادوه بالمنصب مهابة وإجلالا ، وتقربا ، وذكروا حالهم ، وهو أن له أبا شيخا كبيرا قد تعلق به ، وإن أي واحد منهم قابل لأن يكون في الرق مكانه ، ولكن يوسف عليه السلام لا يريد أحدا غيره ؛ لأنه حبيبه في باطن الأمر وفي ظاهره هو السارق ، ويتخذ من الظاهر ذريعة إلى تحقيق الباطن ، فباسم الظاهر يقول لإخوته : لا نأخذ إلا من وجدنا متاعنا عنده ، فلا نأخذ غيره بجريرته ، إنا إذا لظالمون ، أي إنا معشر الحاكمين نكون إذن ظالمين ، إذا أخذنا مكان الجاني غيره ، وأن ليس للإنسان إلا ما سعى ، وكل امرئ بما كسب رهين ، وقد أكد الحكم بالظلم على من يأخذ بدل الجاني . ويلاحظ هنا أمران : الأمر الأول : أن ينبوع الشفقة على أبيهم أخذ ينبع من قلوبهم ، فقبلوا أن يكون أحدهم في الرق بدل أخيهم المحسود ، رفقا بأبيهم ، وللعهد الذي أخذ عليهم . الأمر الثاني : أنهم نادوا يوسف بأنه العزيز ، ويستفاد من الكلام أنه آل إليه أمر مصر ، ويؤيد هذا أن أخبر اللّه بعد ذلك أنه استولى على العرش . يئس الإخوة من أن يرجعوا بأخيهم إلى أبيهم ، وقد صاروا في حيرة من أمرهم ، ودفعتهم الحيرة إلى أن تعود قلوبهم إلى ما كانت عليه ، ولذا قال تعالى عنهم : فَلَمَّا اسْتَيْأَسُوا مِنْهُ خَلَصُوا نَجِيًّا ، أي انفردوا متناجين ، ونجيا مصدر ، والمصدر يستعمل في معنى الجمع ، وفي تناجيهم قال كبيرهم : أَ لَمْ تَعْلَمُوا أَنَّ أَباكُمْ قَدْ أَخَذَ عَلَيْكُمْ مَوْثِقاً مِنَ اللَّهِ الاستفهام هنا إنكاري بمعنى إنكار الوقوع ، ونفى النفي إثبات ، والمعنى أنه عنفهم في قوة قائلا لقد علمتم أن أباكم أخذ عليكم عهدا موثقا بأيمان اللّه ، وَمِنْ قَبْلُ ما فَرَّطْتُمْ فِي يُوسُفَ ، أي من قبل إذ